آخر الأخبار

Post Top Ad

Your Ad Spot

الخميس، 13 ديسمبر 2018

خطبة جمعة مؤثرة بعنوان وفاة النبي صلى الله عليه وسلم

خطبة جمعة مؤثرة بعنوان وفاة النبي صلى الله عليه وسلم 

بالمسجد القطب الشيخ العربي التبسي بتبسة (الجزائر)

للدكتور التركي باهي

خطبة جمعة مؤثرة ليوم 29 ربيع الأول 1440هـ  بعنوان وفاة النبي صلى الله عليه وسلم
الدكتور التركي باهي

الخطبة الأولى


الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، ونشهد أن لا إله إلا الله، تعزز بالبقاء، وكتب على خلقه الفناء، ونشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله للناس أجمعين، الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، أرسله رب العالمين بالهدى والنور، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعينا عُمياً، وآذاناً صُمًّا، وقلوبنا غلفًا، وهدى به إلى الصراط المستقيم، اللهم صَل وسلم وبارك عليه إلى يوم الدين، ونسألك يا رب أن تجازيه خير ما جازيت به نبيًّا عن أمته، أما بعد.


أيها المؤمنون، أيتها المؤمنات...

أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين، ياأيها الذين آمنوا اتقوا ربكم واخشوا يومًا لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئًا، إن وعد الله حق، فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور.


أيها المؤمنون، أيتها المؤمنات، 

إننا نشهد اليوم التاسع والعشرين من شهر ربيع الأنوار، وكنا منذ بدايته قد عشنا نفحات مولده صلى الله عليه وسلم، وما هيّجته الذكرى في قلوبنا من عمق المحبة، ومشاعر الشوق لحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم، وقضينا الشهر بأكمله نتفيّأ ظلاله، ونتذاكر خصاله، فإذا هو أجمل من البدر ليل تمامه، فيا لها من نسمات عطّرت أسماعنا بعبق العشق، ولذة الشوق، وكما قال الشاعر سعدي الشيرازي:


بلغ العُلى بكماله كشف الدجى بجلاله
حسُنت جميع خصاله صلوا عليه وآله

أيها الناس، لئن كنّا عند تذاكر مولده صلى الله عليه وسلم قد سُررنا وفرحنا، وبشريعته ابتهجنا، وبأخلاقه قد انبهرنا، وبهديه قد اقتدينا، فإننا اليوم لا نستطيع ضبط مشاعرنا ونحن نقف أصعب المواقف، بالحديث عن وفاته صلى الله عليه وسلم، والله المستعان وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

كان النبي صلى الله عليه وسلم يعارضه جِبْرِيل عليه السلام القرآن الكريم كاملا كل عام في رمضان، فكان صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر منه، وفي العام الذي أُختير فيه النبي صلى الله عقله وسلم إلى جوار ربه، إعتكف عشرين يومًا في رمضان، وعارضه جِبْرِيل عليه السلام خلاله القرآن مرتين، فأيقن بدُنوِّ أجله عليه الصلاة والسلام، وعندما ذهب إلى أداء ركن الحج، ظل يردد على الناس مقولته: أيها الناس خذوا عني، فلعلّي لا ألقاكم بعد عامكم هذا، وفعلا كانت حجة وداع، فقد أنزل الله تعالى قوله: ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا)، ولما رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة نزلت عليه سورة التوديع ( إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجًا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابًا)، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (نُعِيٓت لي نفسي)، وقبل وفاته صلى الله عليه وسلم بتسع ليال، أنزل الله عليه آخر آية وهي قوله تعالى: (واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلون)، فخرج صلى الله عليه وسلم إلى قتلى أحد فسلم عليهم ودعا لهم، ثم رجع إلى بيته، وقبل وفاته بأيام خرج مع أبي مويهبة فأَتَى الْمَقْبُرَةَ فَقَالَ: (السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لاَحِقُونَ وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا )، قَالُوا أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: (أَنْتُمْ أَصْحَابِي وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ ).
وبدأ المرض ينزل بالنبي صلى الله عليه وسلم، فدخل على عائشة رضي الله عنها فوجدها قد ربطت رأسها فقالت له: وا رأساه يا رسول الله، فقال لها : بل أنا وا رأساه، تقول عائشة رضي الله عنها، دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدته يتصبب عرقا، فأخذتُ يده لأنها أكثر بركة من يدي، وجعلتُ أمسح بها عليه وأقول: الله رب الناس، إذهب البأس، إشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاءك، شفاءً لا يغادر سقمًا، قالت: فنزع النبي صلى الله عليه وسلم يده وقال: ذلك قبل يا عائشة، أما الآن فقد جاءت سكرة الموت.

وعندما اشتدّ به المرض إستأذن نساءه أن يُمرّض في بيت عائشة رضي الله عنها، فأذنّ له، فنقل من بيت ميمونة رضي الله عنها، واحتمله الفضل بن العباس وعلي بن أبي طالب، وإن رجليه لتخُطّان في الأرض، فلما رَآه المسلمون فزعوا وخافوا عليه صلى الله عليه وسلم، لأنها أول مرة يُرى فيها على هذه الحال، فتجمعوا عند بابه، فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم زفيرهم، قال ما هذا ياعائشة، قالت: إنهم خائفون عليك يا رسول الله، فقال احملوني إليهم، فلما أراد الوقوف، سقط على الأرض، فصبّوا عليه سبع قِرَب من آبار شتى، فلما أفاق، قال احملوني، فتوكأ على علي بن أبي طالب و الفضل ابن العباس، وخرج للصحابة وهو يتهادى بين الرجلين، حتى أجلساه على المنبر، فاعتضده، ثم بدأ يوجه لهم آخر خطاب، فقال لهم:( أيها الناس، إن لقائي بكم ليس هنا في الدنيا، بل إن لقائي بكم عند الحوض، والله لكأني أراه الآن، وإني لٓفٓرٓطُكم عليه، أيها الناس، والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تفتّح عليكم كما فتحت على الذين من قبلكم، فتنافسوها، كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم، أيها الناس ... الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم، -اسمعوها أيها الناس، هذه وصية رسولكم يا من تضيعون الصلاة- أيها الناس، من كنتُ ضربتُ ظهره، فهذا ظهري، فليقتص منه، ومن كنت أخذت ماله فهذا مالي فليأخذ منه، ومن شتمت له عرضا، فهذا عرضي قليقتد منه، فقام أحد الصحابة يدعى عكاشة، فقال : أنا يارسول الله، فقا له النبي صلى الله عليه وسلم، وما ذاك، فقال يارسول : يوم بدر كنتٓ تسوي الصفوف، فضربتني فأوجعتني، فأنا الآن أريد أن آخذ حقي، فكشف النبي صلى الله عليه وسلم عن صدره، وقال تعال فاقتص مني، فتقدم يشق الصفوف، والنَّاس ينظرون إليه كيف يفعل هذا بحبيبهم صلى الله عليه وسلم، وهو مريض لا يقوى على القيام، فلما اقترب من المنبر، وقف علي ابن إبي طالب رضي الله عنه، وقال لعكاشة، هذا ظهري فاقتص منه فكلي فداء لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم، اتركه يا علي فليقتص مني، فتقدم فلما وصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، انكب على صدره ومرّغ وجهه في صدر النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يبكي ويقول: جسمي لجسمك فداء يا رسول الله، فازداد بكاء الناس، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم أيها الناس، إن عبدًا خيَّره الله بين أن يعيش إلى أخر الدنيا، وبين أن يلقى الله، فاختار لقاء الله، فلم يفهم الصحابة ما قصده النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أبا بكر الصديق، فقام ، وقال: فداك أبي يارسوا الله، فداك أمي يا رسول الله، فداك زوجتي وأبنائي يارسوا الله، فداك مالي وكل ما أملك يا رسول الله، والنَّاس ينظرون إليه، ويتعجبون منه لِمٓ يقول هذا الكلام، فقال النبي صلى الله عليه نسلم، اتركوا لي صاحبي، كل من كانت له يدًا علينا كافأناه عليها إلا الصديق، فإنا نترك مكافأته على الله، لو كنت متخذا خَلِيلا لأتخذتُ أبا بكر، كل الأبواب تغلق إلا باب أبي بكر، ثم رفع يديه جعل يدعو لهم: آواكم الله ، حفظكم الله، رعاكم الله، أيدكم الله ، ثبّتكم الله)

ثم أُرجع إلى بيته، تقول عائشة رضي الله عنها، وضع رأسه بين صدري ونحري، وهو يقول : لا إله إلا الله ، لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات، فدخلت فاطمة الزهراء رضي الله عنها، و كان من عادته عليه الصلاة والسلام أنه إذا دخلت عليه، وقف إليها وقبّلها بين عينيها، وأجلسها في مجلسه، ولكنه في هذه المرة من شدة المرض لم يستطع القيام من مكانه، فلما رأته على هذا الحال، أشفقت عليه، وقالت: وا كرب أبتاه، فقال لها لا كرب على أبيك بعد اليوم، ثم دعا فهمس في أذنها، فبكت، ثم همس مرة ثانية في أذنها فضحكت، فلما سُئلت عن ذلك فيما بعد، قالت: لقد أسرّني في الأولى، فقال لي، يا فاطمة إني أموت، فبكيتُ، وأسرني في الثانية، فقال لي: يا فاطمة إنكِ أول أهل بيتي لحوقًا بي، فضحكتُ.

تقول عائشة رضي الله عنها، ثم دخل عبد الرحمان بن أبي بكر رضي الله عنهما، وفي يده عود للسواك، فلما رأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم ينظر إليه عرفتُ أنه يريده، قالت : فقلتُ له أناوله إياك يا رسول الله، فأشار برأسه أن نعم، قالت فأخذتُه، ووضعته في فمي، ثم بلّلتُه بريقي، ثم دفعته للنبي صلى الله عليه وسلم، تقول عائشة رضي الله عنها: لقد كان من نعم الله تعالى عليّ أن جعل ريقي يمتزج بِرِيق النبي صلى الله عليه وسلم في آخر حياته.

وفي فجر يوم الإثنين من ربيع الأول للسنة الحادية عشر للهجرة، وهو آخر يوم من حياته صلى الله عليه وسلم، وبينما كان الصحابة يصلون صلاة الصبح، كشف النبي صلى الله عليه حجاب باب حجرته، فرأى المسجد مكتضّاً بالمصلين، ففرح فرحًا شديدًا، فلما رأوه كادوا يقطعون صلاتهم من شدة فرحهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم يظنون أنه تعافى، فأشار لهم بيده أن أتموا صلاتكم، وأرجع الستار، وكانت نظرة وداع لهم، وعندما أشرقت الشمس، وبلغت ضحاها، وإذا بجبريل عليه السلام، يستأذن على النبي صلى الله عليه وسلم، ويقول له : يا رسول الله هذا ملك الموت يستأذن عليك، ويقول لك: إن الله يخيّرك بين أن تعيش إلى آخر الدنيا، وبين لقاء الله ، تقول عائشة رضي الله عنها، سمعته يقول : بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى، فعرفتُ أنه لن يختارنا، تقول عائشة رضي الله عنها، فرفع النبي صلى الله عليه وسلك سبابته وهو يقول: لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات، ثم سقطت يده، وثقل رأسه فعرفتُ أنه قد مات، قالت رضي الله عنها، فرفعتُ الستار وقلتُ: مات رسول الله ، مات رسول الله، فارتجّ المسجد بالبكاء، وكاد الناس أن يفتنوا، وابتلوا ابتلاء عظيمًا، وزلزلوا زلزالا شديدًا، فمنهم من لم يستطع الكلام، ومنهم من توقفت قدماه، فلم يستطع القيام، ودخلت فاطمة الزهراء رضي الله عنها، فقالت: وا أبتاه، أجاب ربًّا دعاه، إلى جِبْرِيل ننعاه، جنة الفردوس مأواه، ودخل عليه أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وهو مُسجّى، فقال: وا نبيّاه، وا خليلاه، وا صفيّاه وا صاحباه ثم قبّله، وقال له ما أطيبك حيًّا وميِّتًا يا رسول الله، ثم قال : بأبي أنت وأمي ، أما الموتة التي كتب الله عليك فقد ذقتها، ثم لن تصيبك بعدها موتة أبدا، ثم خرج وعمر يصول ويجول ويقول : من يقول إن رسول الله قد مات أضرب عنقه ، فقال له : على رسلك يا عمر، أنصت، فأبى إلا أن يتكلم، فلما رآه أبو بكر لا ينصت أقبل على الناس، فلما سمع الناس كلامه أقبلوا عليه وتركوا عمر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس! إنّه من كان يعبد محمّدا فإن محمدا قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. قال : ثم تلا هذه الآية: وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين. قال عمر: فوالله لكأني لم أعلم أن هذه الآية نزلت حتى تلاها أبو بكر يومئذ؛ قال: وعندئذ عرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات.

ثم غسّلوه بثيابه، لأن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال سمعتُ رسول الله يقول نحن معاشر الأنبياء لا تخلع ثيابنا، ثم تركوه ساعة من نهار ليصلي عليه الله وملائكته ثم صلى عليه الناس جماعات وفرادى، يقول أبو بكر الصديق رضي الله عنه، نحن معاشر الأنبياء ندفن في المكان الذي نموت فيه، فحُفٓر له القبر تحت سريره، وبدأوا يحثون عليه التراب، فدخلت عليهم فاطمة رضي الله عنها، فقالت لهم: كيف طابت أنفسكم أن تحثّوا التراب على أبي، يقول أنس رضي الله عنه: عندما دفنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعدنا إلى بيوتنا أنكرنا كل شيء، عَظّم الله أجرنا وأجركم في رسول الله. 
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه إنه هو المغفور الرحيم

الخطبة الثانية:

الحمد لله القائل لنبيه الكريم( إنك ميت وإنهم ميتون ) والقائل في كتابه ( وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مِتّ فهم الخالدون)، والصلاة والسلام على رسوله الكريم القائل في الحديث الصحيح: ( إذا أصيب أحدكم بمصيبة فليذكر مصيبته بي، فإنها أعظم المصائب)، فلا إله إلا الله، كم لفاجعتنا بموته صلى الله عليه وسلم من ألم، وإن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، وإنا على فراقك يا سيدي يارسول الله لمحزونون، وما نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لله وإنا إليه لراجعون، 
اللهم صَل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركتٓ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنكا حميد مجيد، اللهم أحيِنا على سنَّته وأمتنا على ملّته، وأحشرنا في زمرته، مع الذين أنعمتٓ عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولائك رفيقًا، اللهم ثبّتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ، اللهم أنصر الإسلام وأعزّ المسلمين، واجعل بلدنا هذا بلدا آمنًا مستقرًّا سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، اللهم آمين وسلام على المرسلين والحمد لله رب العامين.

ليست هناك تعليقات:

Post Top Ad

Your Ad Spot

الاكثر إهتماما