خطبة جمعة بمناسبة مظاهرات 11 ديسمبر 1960 من مسجد تبسة الكبير للشيخ الدكتور التركي باهي
![]() |
| خطبة جمعة بمناسبة مظاهرات 11 ديسمبر 1960 من مسجد تبسة الكبير |
الخطبة الأولى:
إن الحمد لله تعالى نحمده سبحانه وتعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فهو المهتدي ومن يضله فلن تجد له وليًّا مرشدًا، ونشهد أن لا إلا الله وحده لا شريك له ونشهد أن محمدًًا عبده ورسوله، نُشهدالله تعالى أنه أدى الأمانة وبلّغ الرسالة وجاهد في الله حق الجهاد حتى أتاه اليقين ونحن على ذلك من الشاهدين، أما بعد
أيها المؤمنون، أيتها المؤمنات، أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فإنها وصية الله للأولين والآخرين، قال الله تعالى: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا).
أيها الناس،
نشهد هذه الأيام الإحتفالات المخلدة لأحداث مظاهرات الحادي عشر من شهر ديسمبر من سنة ألف وتسعمائة وستين، وإنها لمن المحطات الكبرى التي مرت بها مسيرة الجهاد في هذه البلاد، حيث أنه يتوجب علينا تمجيد تلك الأيام الخالدة التي تثبّت الإيمان، وترسّخ العقيدة، لأن هذا مما يرفع المعنويات، وبخاصة في زمن الأزمات وأوقات المدلهمات، وقد أمرنا ربنا عز وجل أن نذكّر بالأيام الخالدة، قال الله تعالى:(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ)، وما أحوج البلاد والعباد في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخنا إلى كل ما من شأنه أن يدفع بالأمة إلى ترسيخ الوفاء لعهد الشهداء.
أيها الناس:
إن تناول هذا الموضوع بالتفصيل والبيان، إنما هو من صميم العقيدة والإيمان لأنه يعتمد على نصوص القرآن وحديث النبي العدنان، عليه الصلاة والسلام، لقد قدّم آباؤنا وأجدادنا تضحياتٍ جسامًا في مسيرة الكفاح المسلح، وأدوا فريضة الجهاد المقدس، واستجابوا لنداء الله تعالى الذي دعاهم لنصرة الدين، والدفاع عن الأرض والعرض، ووعدهم بنصره المبين، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ)، فقد سجّل التاريخ أن شعبنا الأبي قد أثبت صدقه واستبساله وصموده أمام القوات الإستعمارية الظالمة، وذللك منذ الوهلة الأولى لاندلاع الثورة المباركة، فقد ظهرت البطولات في المعارك والمواجهات، وفي ساحات القتال، واستطاع المجاهدون الأبطال ترجيح كفة النّزال، رغم قِلّتهم وكثرة عدوهم في العدد والعُدَّة، ولقد كانت عزيمة الرجال الذين قرروا القيام بالثورة أقوى من ترسانة فرنسا ومن معها من قوات الحلف الأطلسي وعتادها ودباباتها وطائراتها ومقنبلاتها، وما أقواها من كلمات قالها الشهيد العربي بن مهيدي، أبو الثورة رحمه الله تعالى، وهو يخاطب جلاديه بقوله: ( إننا سننتصر لأنّنا نمثّل قوة المستقبل الزّاهر، وأنتم ستُهزمون، لأنّكم تريدون وقف عجلة التاريخ الذي سيسحقكم، لأنكم تريدون التشبث بماض استعماري متعفّن حكم عليه العصر بالزّوال، و لئن متُّ فإنّ هناك آلاف الجزائريين سيأتون بعدي لمواصلة الكفاح من أجل عقيدتنا)، وهو ما حصل في المعارك المتعددة، وما أظهرته الأحداث المتلاحقة من تلاحم الشعب مع الثورة، وبخاصة عندما حمي الوطيس، واشتد الكرب، وبدأت ملامح اندحار العدو، بعد أن أفرغ كامل قواه للقضاء على الثوار وما أنتجته غطرسة الجنرال ديغول وجنرالاته، مما لم يُسجل له مثيل في مجال جرائم الإبادة والتنكيل، إلا أن ذلك لم يمنع شعبنا من تحطيم كبرياء هذا العدو، وتمريغ أنفه في التراب، فجنح إلى المراوغات البائسة، والمحاولات اليائسة، بواسطة أذنابه وعُملائه، فقام بتحريك مظاهرات مساندة لسياسات ديغول، في التاسع والعاشر من ديسمبر عام ألف وتسعمائة وستين، وانطلقت من عين تيموشنت، وبعض المناطق الأخرى الآهلة بالمعمّرين، وكانت تنادي باعتبار الجزائر فرنسية، فجاءتهم الصفعة التاريخية بمضاهرات عارمة في الحادي عشر من الشهر نفسه، في مختلف أرجاء الوطن، حيث إلتحم فيها الشعب بمختلف شرائحه، وهم يهتفون: الجزائر مسلمة، الجزائر جزائرية، ويُعلنون مساندتهم للمجاهدين والتفافهم حول قيادة الثورة ورجالها، وأن الجزائريين لا يرضون إلا بالإستقلال واسترجاع السيادة الوطنية، وهم يرفعون الأعلام الوطنية، والشعارات الرافضة للقوات الإستعمارية، فلم تقبل فرنسا بانتفاضة الشعب الجزائري، وقابلتها بالدبابات والرشاشات، وكانت الحصيلة ثقيلة جراء المداهمات والاعتقالات والإغتيالات.
أيها الناس،
هذه أحداث لا بد من إبرازها لتظل في ذاكرة الأجيال، لأنها من أهم المُمهّدات التي عجّلت بانهزام العدو وإعلان النصر، ولقد كانت هذه المظاهرات انتصارًا في الداخل والخارج، فأما في الداخل فقد جاءت دليلا وبرهانًا على أن الشعب منقاد لقيادة الثورة، ومؤتمر بأوامرها، هذا من جهة، ومن جهة أخرى أعطت أرقى المظاهر لوحدة الشعب وتلاحمه، وأما في الخارج فقد كشفت للعالم حقيقة الإستعمار الفرنسي ووجهه الإجرامي، مما أكسب الثورة الدعم والسند في المحافل الدولية، ومن هنا لا بد من التصريح والاعتراف بأن هذه المظاهرات كانت إحدى المنعرجات الحاسمة في تاريخ ثورتنا المجيدة، وما حققته من إنجازات وبطولات، ووالله الذي لا إله غيره، إن الناظر لما تمّ عرضه من صور مرئية من بعض القنوات الأجنبية المحايدة التي كانت توثّق لتلك الأحداث، ليجد في أحاسيسه من المشاعر من أقوى ما تهتزّ له النفوس، وتُخفٓق له القلوب، بمشاهدة الجزائرين والجزائريات، من الرجال والنساء والأطفال ومختلف الفئات، وهم يواجهون الدبابات وعساكرها بصدورهم وأجسادهم، في أرقى مظاهر التحدي والصمود، مما يرفع رؤوسنا شامخة، إعتزازا وافتخارنا بهذا الوطن وشعبه، وما قدّمه من الدماء والأشلاء، من أعز وأغلى وأثمن ما يُقدم كعربون للوفاء، فحيّا الله هؤلاء الأوفياء، ورحم الله جميع الشهداء، والمجاهدين الذين قضوا وهؤلاء الذين لا يزالون أحياء، قال الله تعالى: ( : وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتًۢا ۚ بَلْ أَحْيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ).
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغرور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على الرحمة المهداة والنعمة المسداة والسراج المنيّر، وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين، أما بعد:
عباد الله، علينا أن نُحيي مآثر الآباء والأجداد، ونورّثها للأبناء والأحفاد، نبراسًا يُقتفى، ومنهجًا يقتدى، ليُنشّأ الجيل على معاني العزة والقوة التي ورثتها أمّتُنا كابرًا عن كابر، فيسير الخلف على عهد السلف، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وهكذا نبني حاضرنا ومستقبلنا بقِيم تاريخنا المجيد، وكما قال الشاعر: نبني كما كانت أوائلنا تبني ونصنع مثلما صنعوا.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واجعل بلدنا هذا بلدًا آمنًا مستقرًّا سخاءً رخاءً، وسائر بلاد المسلمين، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وخذ بناصيتهم إلى ما فيه خير البلاد والعباد، اللهم اهدِنا فيمَن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقِنا شر ما قضيت، انك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل مَن واليت، ولا يعزُ من عادت، تباركت ربنا وتعاليت، اللهمَّ صلِّ على محمَّد وعلى آل محمَّد، كما صليتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم. و بارِك على محمَّد وعلى آل محمَّد، كما باركتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنَّك حميدٌ مجيد.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق