خطبة الجمعة بعنوان: معاملة الآباء للأبناء بعد ظهور النتائج الدراسية
![]() |
| خطبة الجمعة بعنوان: معاملة الآباء للأبناء بعد ظهور النتائج الدراسية |
من المسجد الكبير الشيخ العربي التبسي تبسه
الدكتور: التركي باهي
التاريخ: 12ربيع الثاني1440ه الموافق ل:2018/12/21
الخطبة الأولى
الحمد لله رب العالمين، نحمده سبحانه وتعالى ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، فمن يهده الله تعالى فهو المهتدي ومن يضلله فلن تجد له وليًّا مرشدًا، ونصلي ونسلم على سيدنا وحبيب قلوبنا محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين،
أما بعد أيها المسلمون، أيتها المسلمات،
أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فهي وصيته تبارك وتعالى للأولين والآخرين، قال الله تعالى: ( وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرض، وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ، وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ، وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا)، وقال أيضاً: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ).
أيها الناس
ما أحوجنا أن نتذاكر واجباتنا كآباء وأمهات تجاه البنين والبنات، فهم فلذات الأكباد، وثمرة الأصلاب والأجداد، ومستقبل البلاد والعباد، وإن واجب الوقت يفرض علينا أن نعالج كل أمر بما يقتضيه المقام، وفق ما جاءت به شريعة الإسلام، من النصوص والأحكام، وبخاصة في نهاية الفصل الدراسي وعودة الأولاد بالنتائج الدراسية، وها نحن نستقبل في هذ اليوم العطلة الشتوية مع أبنائنا وبناتنا من مختلف الأطوار التعليمية، بعد أن قضوا المرحلة الأولى من العام الدراسي، بما فيها من نجاح عند البعض، وإخفاق عند الآخرين، ولئن كان التكريم عند التفوق مما يطمح له الجميع، فإن معالجة الصدمات النفسية لدى التلاميذ في حالة النتائج السلبية يعتبر من أصعب المواقف لدى المتمدرسين والأولياء على حد سواء. ولا يمكننا التغاضي عن الأحداث المأساوية التي وقعت بولايتنا خلال الأسبوع، وكان ضحاياها تلاميذ، في عمر الزهور، منهم من رمى بنفسه من سيارة أبيه وهي تسير، حيث لفظ أخر أنفاسه بالمستشفى، ومنهم من هربوا من البيوت إلى غير رجعة، تاركين وراهم علامات استفهام كبيرة تحتاج منا جميعًا أن نتجند لمعالجة هذه الظواهر المشينة، والإجابة عن إشكالاتها، وهي ليست الأولى في بلادنا، عسانا أن نساهم بالتقليل من تكرارها، والحد من انتشارها، إذ أن الإنتحار أو الفرار، كل ذلك لا مبرر له في المجتمع المسلم، الذي يؤمن بالله وباليوم الآخر، ويزداد الأمر غرابة عندما يكون الآباء هم صُناع السبب في مثل هذه الجرائم النكراء، بدفع الأبناء إلى القنوط وقطع حبل الرجاء، فيختارون العذاب في دار الشقاء، هروبًا من المواجهة التي تشتمل على القسوة وشديد العناء.
ومما لا شك فيه أن هناك أسبابًا عديدة ساهمت في وجود هذه الممارسات الدخيلة عن مجتمعنا وقيمه الروحية، ، وهي مجملة حسب نظرنا في أسباب عديدة ، نقتصر على ذكر ما يلي :
السبب الأول :
التقصير الواضح في تربية الأبناء ابتداءً، والتخلي بصفة رسمية لدى أغلبية الأسر عن المنهج النبوي الذي أرشدنا من خلاله رسولنا صلى الله عليه وسلم إلى تنشئة الجيل على أسس العقيدة الصحيحة، بتحقيق التوحيد، وإخلاص العمل لله رب العالمين، في إطار الفهم الصحيح لحقيقة الحياة، وما بعد الممات، فالفلاح الحقيقي يكون لمن قدّم بين يديه التوبة والإيمان والعمل الصالح، مصداقًا لقول الله تعالى: (فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ المُفلِحِين)، والخسارة التي لا يمكن تداركها على الإطلاق، هي خسارة الآخرة، قال الله تعالى: ( قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ)، وعلى هذا الأساس، فإن ثمرة الحصاد، مما يُنتظر إنتاجه من الأولاد، سيكون من جنس الغرس الذي تم بذره من طرف الوالدين، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( يولد المولود على الفطرة ، فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه)، فالبِدار البِدار بتصحيح المسار، ووطّنوا هؤلاء الصغار، على الخشية من الملك الجبار، وحب النبي المختار، وآل بيته الأطهار.
السبب الثاني:
جهل الكثير من الأولياء بأصول التربية، فتجد أغلبهم يسلكون سبيل التعنيف والقهر عند توجيه الأبناء، وهذا مما يزيد الداء عِلّة، والطين بِلّة، يقول النبي صلى اللله عليه وسلم: ( مَا كَانَ الرِّفْقُ فِي شَيْءٍ إِلا زَانَهُ ، وَلا نُزِعَ مِنْ شَيْءٍ إِلا شَانَهُ)، فلا بد من التعامل بالرفق مع الأولاد، وإغراق قلوبهم بالعطف والحنان، وجعلهم يتذوقون أقوى مراتب اللذة من الحب والرأفة التي تنبعث من أعماق القلب المملوء بالرحمة والشفقة على فلذات الأكباد، في الأوقات العسيرة التي يعيشها الأطفال وقت الأزمات، وأشدها لديهم عند الإمتحانات، وما يعقبها من النتائج والعلامات، فالواجب على الآباء والأمهات في مثل هذه الحالات، أن يتلطفوا مع صغارهم، وبخاصة عندما تكون النتائج ضعيفة، فلا يعينوا عليهم الشيطان، فيجمعوا عليهم خسارتين، ويعذبوهم بأسى الحسرتين، فوات الدنيا وضياع الآخرة، وما أسوأ صورة الإنسان الشديد على عياله، القاصي على أهله وأطفاله، روى الطبراني عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (شر الناس الضيق على أهله، فقالوا يا رسول الله، وكيف يكون ضيقا على أهله فقال: الرجل إذا دخل بيته خشعت امرأته وهرب ولده، وفر عبده، فإذا خرج ضحكت امرأته واستأنس أهل بيته).
السبب الثالث:
كثرة الفتن ما ظهر منها وما بطن، فقد أصبح الجيل مهددا من كل الجهات، ومحاصرًا من جميع الجبهات، فهذه هوائيات، وتلك مواقع انترنات، وأخرى حبائل التواصل بالشبكات، وغير ذلك من نوازع الشهوات، وتدفق الشبهات، عبر مختلف القنوات، وما تتلقاه أمتنا صباحًا ومساءً من شهوات الأهواء وشبهات الأعداء، مما يفرض على جميع أفراد الأمة التجند التام لمجابهة هذا التيار الجارف، والتصدي له بسلاح العصر، عن طريق الإقناع بحسن الإستخدام للتكنولوجيا الرقمية، ومواجهة الثورة المعلوماتية، بالعمل على كسب رهانها، واستغلال نفوذها وسلطانها، فلا ينفع الإكتفاء بالتموقع في الأماكن الخلفية، أو المواقع الدفاعية، بل لا بد من الإنطلاقة نحو الجبهات الهجومية، بنشر رسالة الإسلام، وتجنيد هذا الجيل بما يمتلكه من قدرات إبداعية لخدمة الدين ونشره خارج دياره وأنصاره، والذود عن حياضه وحصونه، من كيد أعدائه وخصومه، فهو الدين المنقذ للإنسانية، والمخلص للبشرية، قال الله تعالى: ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)، وهو الدين الخالد الذي يستحق أن يقود العالم ويسوده، قال الله تعالى : ( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا).
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على فضله وامتنانه، ونشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم الداعي إلى رضوانه، وعلى آله وأصحابه وإخوانه، أما بعد:
وأما السبب الرابع:
فهو ضعف المستوى لدى الكثير من المعلمين والمعلمات، وضحالة أدائهم التعليمي، بالإضافة إلى تدني جانبهم الأخلاقي، مما عاد بالتأثير السلبي المفضي إلى عجزهم عن تفجير الطاقات الكامنة في نفسيات البنين والبنات، وعدم قدرتهم على استيعاب المواهب المتجددة، والأفكار المتعددة لدى الأجيال الصاعدة، وأصبحت الفجوة تتزايد بين التلميذ والمعلم، وما أكثر الطلبة الذين وجدوا مستواهم يفوق أساتذتهم في كثير من المجالات، ومن هنا ندعو أعضاء هيئة التدريس والقائمين على تكوين شباب الأمة أن يرتقوا بأنفسهم علمًا وسلوكًا، وأن يواكبوا عصرهم، ويسايروا التطورات، بتحيين طرق التدريس، ومناهج التعليم، ليتمكنوا من مخاطبة العقول، فيحسن توجيهها نحو الإبداع، ويتيسر لهم التحكم في الأفكار، فيتم توظيفها في الإختراع، وهكذا يؤدي التعليم رسالته، ويوفّٓق الأستاذ في وظيفته، فترقى الأمة، وتنكشف الغُمّة.
والسبب الخامس:
هو تأثير الجوانب الإجتماعية والإقتصادية للأولياء والمعلمين، على حد سواء، فالكثير من المعلمين والأساتذة اضطروا إلى العمل الموازي للوظيفة الرسمية، فجنحوا إلى الدروس الخصوصية، وما تدره عليهم من وافر الموارد المالية، فزهدوا في أقسامهم الأصلية، وأفرغوا جهدهم في تلك الساعات الإيضافية، وأصبح الآباء الذين يشتكون من قلة ذات اليد، يرون أبناءهم ضحايا الإجحاف بانعدام الإنصاف في التقييم وضعف التعليم، وحدثت القطيعة بين الأولياء وأسرة التدريس، لما أفرزته هذه الأوضاع من تكريس نظام الطبقات، وما تنتجه من أحقاد وضغائن بين مختلف الفئات، فندعو المعلمين أن يتقوا الله تعالى في وظائفهم، التي يتخذونها مصدر أرزاقهم، وأن لا يفرّطوا في واجباتهم المهنية، وأن يعاملوا جميع التلاميذ بناء على قدراتهم العقلية، كلهم على قدم المساواة، فالمحاباة بسبب الدروس المنزلية، من أسوإ مظاهر السحت، وهي من أشنع ما حرمه الله تعالى من المعاملات التفضيلية، وهي من أوضح أنواع أكل أموال الناس بالباطل، والله عز وجل يقول: ( أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ )، ويصدق فيها قول الله تبارك وتعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)، فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أنكم ستُسألون عن أعمالكم، قال الله تعالى: ( وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُون)،
أيها المؤمنون، أيتها المؤمنات، اتقوا الله في أولادكم وتلاميذكم، فهم أمانة الله بين أيديكم، يقول الله تبارك وتعالى: ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ)، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللَّهَ سَائِلٌ كُلَّ رَاعٍ عَمَّا اسْتَرْعَاهُ ، حَفِظَ ذَلِكَ أَمْ ضَيَّعَ ، حَتَّى يَسْأَلَ الرَّجُلَ عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ)،
اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين، اللهم لا تدع لنا في مقامنا هذا ذنبا إلا غفرته ، ولا هما إلا فرجته ، ولا دينا إلا قضيته ، ولا مريضا إلا شفيته ، ولا مبتلى إلا عافيته ، ولا ضالا إلا هديته ، ولا غائبا إلا رددته ، ولا مظلوما إلا نصرته ، ولا أسيرا إلا فككته ، ولا ميتا إلا رحمته ، ولا حاجة من حوائج الدنيا هي لك رضا ولنا فيها صلاح إلا قضيتها ويسرتها برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق